توفيق عكاشة ليس أهبل ولا عبيطا، ولكنه ذكي جدا، فعندما اكتشف أن شخصيته الحقيقية لا تساوي بصلة، قرر انتحال شخصية
أخرى تُعجب الناس، وتُضحكهم، وتدفعهم للبحث عنه باستمرار، وليس هناك بالطبع أفضل من شخصية "الأراجوز"!
ونجحت فكرة عكاشة، وأصبح واحدا من ألمع أراجوزات مصر
بالفعل، بعد أن خدمته الظروف أكثر وهيّأت له أحداثًا سياسية ساخنة ملتهبة
تكاد تُزهق أرواح الناس، وتدفعهم دفعا لمحاولة الخروج من كل هذا الضغط،
بالبحث عمن يسرّي عنهم، ويبدو أكثر عبطًا منهم في استسلامهم لكثير من
الظروف التي لا يملكون القدرة على تغييرها!!
وما حدث بعد ذلك، كان متوقعًا، حيث توحّد توفيق عكاشة مع
شخصية الأراجوز، حتى أصبحا واحدًا بالفعل، ولم يعد أحدهم يملك القدرة على
الانفصال عن الآخر!
وهو نفس ما وقع لممثل أمريكي كبير، عندما مثّل فيلما
أمام شخصية الأرنب روجرز الكارتونية الشهيرة، ومن شدة تقمّصه لدوره، ظل
يستمع إلى أصوات وهمية ويتخيّل نفسه ما يزال في بيئة العمل حتى بعد انتهاء
الفيلم بشهور!
عُكاشة بعد أن توصّل للشخصية الرابحة التي تضمن له
الاستمرار قليلا على الساحة، وتحقق له بعض المال، أصبح همّه بعدها أن يثبّت
صورته الذهنية الجديدة لدى الناس، وليس أفضل لذلك من اجتذاب من هُم على
شاكلته، ليكونوا دائما محيطين به!
وهنا يبرز دور العنكبوت، أو أحمد سبايدر الخارق، الذي يحاول أن يتفوق على أستاذه في الأراجوزية دائمًا، وينجح في بعض الأحيان!
إن تجربة عكاشة ليست جديدة على المجتمع المصري، بل هي
تطوير لفكرة "عبيط القرية" الذي نكتشف في النهاية أنه ليس عبيطا وإنما أذكى
الجميع، لكنه مثّل العَبَط ليُفلت من جريمة ما، أو يكسب قوت يومه، أو تتاح
له الحرية للتصرف بشذوذ وانتقاد الناس دون أن يخشى طائلة القانون!
وسر بقاء عكاشة على الساحة حتى الآن، على الرغم من
تطاوله على الجميع، وخوضه فيما لا يصح الخوض فيه، وتقديم البعض بلاغات
عديدة ضده، أنه يلعب دورًا سيكولوجيا في تهدئة الناس، وإلهائهم، وانتقاد من
لا يجرءون على انتقاده!
وهو نفس الدور الذي كانت تلعبه كرة القدم في عهد النظام
البائد، وهذا دليل آخر على أن النظام لم يتغيّر، وأنه لا خيال له، حتى يعيد
استخدام نفس الوسائل مرارا وتكرارا دون كلل أو ملل!
وانتهاء ظاهرة عكاشة، سوف يأتي بعد استقرار الأوضاع
قليلا، وبعد انتباه الناس لضرورة عدم اكتفائهم بالضحك والسخرية، وأهمية أن
يتخذوا موقفا إيجابيا أكثر قوة لتغيير ما يحتاج للتغير، بدل الاكتفاء بمن
يسبّ لهم ويشتم نيابة عنهم ويتف وينف على الهواء مباشرة!!
ووقتها،
لن يكل عكاشة الذي ذاق حلاوة الأضواء، وسوف يبحث عن شخصية كارتونية أخرى
تتيح له أن يعود ثانية لبؤرة اهتمام الناس وأحاديثهم!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق